تُعتبر قصة «مذكرات مجنون» (الصادرة عام 1835م) للكاتب الروسي الكبير نيقولاي غوغول واحدة من أعظم قصصه القصيرة إلى جانب «المعطف» و«الأنف». وتتميز بأنها العمل الوحيد لغوغول المكتوب بصيغة المتكلم على شكل مدونات يومية، حيث تتبع التفاصيل الدقيقة للانهيار النفسي والتداعي العقلي للبطل «بوبريشتشين»، وهو موظف بسيط في سُلم الدرجات الإدارية بمدينة بطرسبورغ خلال عهد القيصر نيقولا الأول. يعيش بوبريشتشين حياة بائسة ومهمشة تنحصر وظيفتها السطحية في بري أقلام الريشة لمدير الدائرة الحكومية. وأمام الشعور الشديد بالحرمان والظلم الطبقي وانعدام التقدير الاجتماعي، يقع في حب «صوفيا» ابنة المدير الحسناء. غير أن صدمته باحتقارها له وزفافها المرتقب من ضابط قصر وسيم—والتي يكتشفها عبر هلاوس سريالية يتهيأ له فيها أنه يسرق رسائل متبادلة بين كلبين—تدفعه للهروب من واقعه المؤلم نحو أحلام يقظة مرضية وفصام كامل. يتطور هذيان البطل ليعتقد أنه هو «ملك إسبانيا» المفقود (فيرديناند الثامن)؛ فيقوم بتقطيع زيه المكتبي ليصنع منه عباءة ملكية، ويبدأ في كتابة تواريخ غير منطقية في يومياته (مثل 43 نيسان عام 2000، أو 30 شباط في مدريد). وعندما يُنقل أخيراً إلى مستشفى المجانين، يفسر الضرب بالسياط وسكب الماء البارد على رأسه على أنها طقوس فروسية إسبانية لاستلام العرش أو ممارسات لمحكمة التفتيش، لتنتهي القصة بصراخ مأساوي ومؤثر يستغيث فيه بأمه لينقذ ولدها المريض والمطارد من عذابات هذا العالم.