تُعد رواية "مانديل بائع الكتب القديمة" (Buchmendel) للأديب النمساوي المرموق ستيفان زفايج تحفة أدبية خالدة، صاغ من مادتها القليلة (80 صفحة) محتوىً هائلاً يجسد صراع الروح الإنسانية مع قسوة التحولات الكونية. في هذه الرواية، لا يكتب زفايج مجرد قصة، بل يقدم مرثية موجعة للحضارة الأوروبية التي كانت تنتقل من عصر الأنوار والتركيز الفني إلى دمار الحرب الشاملة.
تتمحور الرواية حول شخصية جاكوب مانديل، ذاك العجوز اليهودي الذي اتخذ من مقهى "غلوك" بفيينا مقراً له لأكثر من ثلاثين عاماً، حيث كان يجلس خلف طاولته المرمرية القذرة محاطاً بتلال من الكتب والفهارس. مانديل لم يكن بائع كتب تقليدياً، بل كان "فهرساً كونياً جوالاً" وذاكرة جبارة تحفظ أسماء المؤلفين، والناشرين، والأسعار، وتواريخ الإصدار لكل كتاب طُبع، سواء كان ذلك أمس أو قبل مائتي عام، دون أن يملك شيئاً سوى "سحر التذكر".
تتجلى مأساة مانديل في انفصاله التام عن الواقع؛ فقد كان مخلصاً لـ "هوس أحادي سامٍ" يربطه بالكتب لدرجة أنه لم يشعر بنشوب الحرب العالمية الأولى، ولم يدرك أن العالم خلف جدران مقهاه كان يحترق. هذه البراءة الفطرية تحولت إلى لعنة عندما أرسل مراسلات مهنية عادية إلى دول "معادية" (فرنسا وبريطانيا)، ليجد نفسه فجأة متهماً بالجاسوسية، ويُزج به في معتقلات الأسلاك الشائكة، حيث تحطم منظاره السحري (نظارته) وتحطمت معه ذاكرته وروحه. الرواية هي إدانة صارخة لـ "تفاهة الحياة البشرية" عندما تذري الرياح آخر أثر لمرور الإنسان، وهي تذكير بأننا لا ننتج الكتب إلا لنبقى على صلة بالبشر فيما وراء الموت ولنذود عن أنفسنا ضد العدو الألد: النسيان.