يُعد كتاب «مقهى ريش: عين على مصر» للشاعرة والروائية الإماراتية ميسون صقر القاسمي، الحائز على جائزة الشيخ زايد للكتاب لعام 2022، عملاً توثيقياً وأثراً أدبياً فريداً ينتمي لأدب "سرد الأمكنة"، يستعين بتقنيات الرواية في بناء المشاهد والشخصيات التاريخية واستعادة تفاصيلها دون تصنيفه كرواية محضة. ويقدم الكتاب دراسة شيقة وسردية ممتدة لتاريخ القاهرة الخديوية وتحديث وسط البلد المعماري والاجتماعي طوال قرن كامل عبر بوابة هذا المقهى العريق؛ حيث يتتبع تاريخ المقهى منذ نشأته الأولى عام 1908 على أنقاض قصر محمد علي باشا وتشييده عام 1914 على يد مهندس ألماني ليؤول إلى الفرنسي هنري ريسنييه الذي منحه اسم "ريش" على غرار كافيه ريش بباريس، مروراً بمالكيه ومستأجريه الأجانب وصولاً لعائلة عبد الملاك التي اشترت المكان عام 1962 لتكون أول إدارة مصرية تحافظ على المقهى كإرث عائلي وثقافي وطني يتجاوز الخاص إلى العام. ويكشف العمل، استناداً إلى الوثائق الرسمية والعرائض الشعبية، عن الأدوار الوطنية والسياسية الفائقة للمقهى؛ كاحتوائه لثوار ثورة 1919 والعثور في سراديبه السرية بعد عقود على آلة لطباعة المنشورات، ومحاولة اغتيال رئيس الوزراء يوسف وهبة باشا بجواره، فضلاً عن ريادته الفنية كونه المسرح الذي شهد إطلالة كوكب الشرق "أم كلثوم" لأول مرة في القاهرة. كما يخلد الكتاب سيرة رواده من كبار الأدباء والمفكرين مثل يوسف إدريس، وأمل دنقل، وصلاح جاهين، واللقاءات التاريخية الأيقونية لنجيب محفوظ الذي أدار ندوته الشهيرة هناك واستلهم من رواد المقهى شخصيات روايته "الكرنك"، موثقاً لقصص الحب الاستثنائية التي ولدت بين جنباته مثل روز اليوسف ومحمد عبد القدوس، وعبلة الرويني وأمل دنقل. ويمزج العمل بجمال وعمق بين عيون ثلاث: "عين المندهش" و"عين الروائي" و"عين الفاحص" التي تدقق الوثائق والمراسلات لتنقذ أرشيف مصر وذاكرتها النابضة من غياهب النسيان.